أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
197
شرح مقامات الحريري
النسب ، فصيحا ، ذا شيمة حسنة ، عمّر سبعمائة سنة ، يتقفّر القفار ، ولا تكنّه دار ، ولا يقرّه قرار ، يتحسّى في تقفّره بعض الطعام ، ويأنس بالوحوش والهوامّ ، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح ، لا يغيّر الرّهبانية ، مقرّ بالوحدانية ، تضرب بحكمته الأمثال وتكشف به الأهوال ، وتتبعه الأبدال ، أدرك رأس الحوارييّن سمعان ، فهو أول من تألّه من العرب وأعبد من تعبّد في الحقب ، وأيقن بالبعث والحساب ، وحذّر سوء المنقلب والمآب ، ووعظ بذكر الموت ، وأمر بالعمل قبل الفوت ، الحسن الألفاظ ، الخاطب بسوق عكاظ ، العارف بشرق وغرب ، ويابس ورطب ، وأجاج وعذب ، كأنّي أنظر إليه ، والعرب بين يديه ، يقسم بالربّ الذي هو له : ليبلغنّ الكتاب أجله ، وليوفّينّ كلّ عامل عمله ، ثم أنشأ يقول : [ الخفيف ] هاج للقلب من هواه ادّكار * وليال خلالهنّ نهار ونجوم يحثّها قمر اللّي * ل وشمس في كلّ يوم تدار ضوأها يطمس العيون وإرعا * د شديد في الخافقين مثار وغلام وأشمط ورضيع * كلّهم في التراب يوما يزار وقصور مشيّدة حوت الخي * ر وأخرى خوت فهنّ قفار وكثير ممّا تقصر عنه * حدسة النّاظر الذي لا يحار والّذي قد ذكرت دل على اللّه نفوسا لها هدى واعتبار . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك يا جارود ، فلست أنساه بسوق عكاظ ، على جمل له أورق ، وهو يتكلّم بكلام مونق ، ما أظنّ أحفظه ، فهل فيكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا » ؟ فوثب أبو بكر قائما ، وقال : يا رسول اللّه ، أنا أحفظه وكنت حاضرا بعكاظ حين خطب فأطنب ، ورهّب ورغّب ، وحذّر وأنذر ، وقال في خطبته : أيّها الناس اسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم فانتفعوا ، إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت ، مطر ونبات ، وأرزاق وأقوات ، وآباء وأمهات ، وأحياء وأموات ، وجمع وشتات ، وآيات بعد آيات ، إنّ في السماء لخبرا ، وإنّ في الأرض لعبرا . ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وأرض ذات رتاج ، وبحار ذات أمواج ، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ! أرضوا بالمقام فأقاموا ، أم تركوا هناك فناموا ! أقسم قسّ باللّه قسما حقّا لا آثما فيه ولا حانثا ، إنّ للّه دينا هو أحبّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبيّا قد حان حينه ، وأظلّكم أو أنه وأدرككم إبّانه ، فطوبى لمن آمن به فهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه ! ثم قال : تبّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية ، والقرون الماضية ! يا معشر إياد ، أين الآباء ، والأجداد ، وأين المريض والعوّاد ، وأين الفراعنة الشّداد ؟ أين من بنى وشيد ، وزخرف ونجّد ، وغرّه المال والولد ! أين من بغى وطغى ، وجمع فأوعى ، وقال : أنا ربّكم الأعلى